محمد أبو زهرة

1589

زهرة التفاسير

معايشهم ، كما قال : . . . وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . . ( 29 ) [ النساء ] والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله : وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وإنه على أن الخطاب لمجموع الأمة المتكافلة يكون من التكافل رزق اليتامى وعدم قهرهم . وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً معنى الرزق الإنفاق المستمر المنظم على الشخص في طعامه وكسوته ، فالكسوة بل المسكن داخلان في ارزقوهم وإنما خص الكسوة بالذكر ؛ لأنها كثيرا ما تهمل ، وللحث على المبالغة في تكريمهم ، ومن مظاهر التكريم الكسوة الحسنة ، وقال ارزقوهم فيها واكسوهم ، ولم يقل ارزقوهم منها للإشارة إلى أن الرزق لا يقتطع منها ، بل يتجر فيها ويعمل فيها ليكون الرزق فيها من الكسب لا من أصلها ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اتّجروا في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة » « 1 » وقد قال الزمخشري في تفسير ارزقوهم فيها : « اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال » وقد أمر الله تعالى بألا يرهق المحجور عليه ، ولا يستذلوا ولا يقهروا ؛ ولذا قال : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي قولا غير منكر وغير مسترذل ، وغير قاهر وغير مضعف لنفوسهم ، ولا مذل لهم ، وذلك لكيلا يذهب الحجر بعزة نفوسهم ، وليشعروا أنه في مصلحتهم ، ولكيلا تضعف شخصيتهم ، ويمردوا مع الذلة صغارا ؛ فيعادوا الناس كبارا ، والله هو الولي وهو نعم المولى ونعم النصير .

--> ( 1 ) روى الترمذي : الزكاة - زكاة مال اليتيم ( 641 ) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم خطب النّاس فقال : « ألا من ولي يتيما له مال فليتّجر فيه ولا يتركه حتّى تأكله الصّدقة » .